الأربعاء، 4 أبريل 2012

جولدمان والبنيوية التوليدية

جولدمان والبنيوية التوليدية


يُعَدُّ الناقد الروماني لوسيان جولدمان أهم أتباع لوكاش٬ فيما يُسمى المدرسة الهيجلية الجديدة في النقد الماركسي. ويهتم جولدمان بدراسة بنية النص الأدبي دراسة تكشف عن الدرجة التي يجسّد بها النص بنية الفكر( أو «رؤية العالم») عند طبقة أو مجموعة اجتماعية ينتمي إليها الكاتب ،وعلى أساس أنه كلما اقترب النص اقترابا دقيقا من التعبير الكامل المتجانس عن رؤية العالم عند طبقة اجتماعية كان أعظم تلاحما في صفاته الفنية . ولا ينظر جولدمان إلى الأعمال الفنية من حيث هي خلق فردي خالص٬ بل من حيث هي خلق يتجاوز الفرد وينتج عما يسميه «الأبنية العقلية المتجاوزة الفرد»٬ أي الأبنية العقلية لمجموعة اجتماعية. وما يقصد إليه جولدمان بهذه الأبنية العقلية هو بنية الأفكار والمطامح التي تشترك فيها مجموعة اجتماعية٬ والتي تصل إلى أرقى تعبير عند الشاعر أو المفكر٬ وذلك على أساس ما يراه جولدمان من أن الكتاب الكبار هم الأفراد المتميزون الذين ينقلون فنيا رؤية العالم عند طبقة أو مجموعة ينتمون إليها٬ ويصوغونها بطريقة كاشفة (وإن لم تكن واعية بالضرورة ).
ويطلق جولدمان على منهجه النقدي اسم «البنيوية التوليدية» ، ومن المهم أن نفهم المقصود بهذين المصطلحين؛ فالمنهج «بنيوي» لأن اهتمامه ببنية المقولات التي تكشف عن رؤية خاصة للعالم يفوق اهتمامه بمضمون هذه الرؤية نفسها، وعلى نحو يمكن معه النظر إلى كاتبين مختلفين تماما من حيث الظاهر بوصفهما منتميين إلى بنية عقلية جماعية واحدة. والمنهج «توليدي» لأنه يركز على الكيفية التي تتولد بها هذه الأبنية العقلية على المستوى التاريخي، أي يركز – إذا شئنا الدقة – على العلاقة بين رؤية العالم والأوضاع التاريخية التي تولدها .
وربما كان ما فعله جولدمان مع راسين في كتابه "الإله الخفي" أكثر النماذج توضيحا لمنهجه النقدي . لقد تكشف له مسرح راسين عن بنية معينة متكررة من المقولات – الإله٬ والعالم٬ والإنسان – تتغير في مضمونها وعلاقاتها المتبادلة من مسرحية إلى أخرى٬ لكنها تكشف عن رؤية خاصة للعالم٬هي رؤية بشر ضائعين في عالم يخلو من القيمة. و مع أن هؤلاء البشر يتقبلون هذا العالم بوصفه العالم الوحيد الممكن (لأن الإله غائب عنه) فهم لا يكفون عن الوقوف ضد هذا العالم٬ ليبرروا أنفسهم باسم قيمة مطلقة٬ تغيب دوما عن الأنظار. ولقد عثر جولدمان على أساس هذه الرؤية في الحركة الدينية التي عرفتها فرنسا باسم الجنسينية. ويفسر الجنسينية – بدورها- بوصفها نتيجة إزاحة مجموعة اجتماعية بعينها٬ في فرنسا في القرن السابع عشر هي مجموعة "نبالة الرداء" من موظفي البلاط الذين اعتمدوا اقتصاديا على الملك٬ والذين تضاءلت قوتهم مع تزايد الحكم المطلق له. ويتجلى التعبير عن الموقف المتناقض لهذه الجماعة٬ أي الحاجة إلى "التاج" ومعارضته سياسيا في آن واحد٬ في رفض الجنسينية للعالم٬ بل رفضها لأي رغبة في التغيير التاريخي له. وينطوي هذا الموقف على دلالة «عالم تاريخي» عند جولدمان لأن نبلاء الرداء كانوا أعضاء جددا في الطبقة البرجوازية؛ أعضاء يمثلون إخفاق البرجوازية في كسر حدة الحكم المطلق للملكية، وتأسيس أوضاع تساعد التطور الرأسمالي.
وما يبحث عنه جولدمان – على هذا النحو- هو جُمَّاع من العلاقات البنيوية بين النص الأدبي ورؤية العالم والتاريخ نفسه، ليظهر الكيفية التي يتحول بها الموقف التاريخي لمجموعة أو طبقة اجتماعية إلى بنية عمل أدبي، عن طريق رؤية العالم عند هذه المجموعة أو الطبقة. ولا يكفي البدء بالنص أو العمل لكي ننطلق منهما إلى التاريخ أو العكس، كي نحقق هذه الغاية؛ فما يلزمنا هو منهج جدلي يتحرك دوما بين النص ورؤية العالم والتاريخ، بحيث يكيّف المنهج كل واحد منها مع الآخر٬ وينظر إلى كل واحد منها في ضوء الآخر.
وبرغم تسليمي بأهمية الجهد النقدي الذي بذله جولدمان فإن هناك مجموعة من النواقص تحيط بمنهجه؛ فمفهومه عن الوعي الاجتماعي – مثلا- مفهوم هيجلي أكثر منه ماركسي٬ أعني أنه ينظر إلى الوعي الاجتماعي بوصفه تعبيرا مباشرا عن الطبقة الاجتماعية٬ وعلى نحو يغدو معه العمل الأدبي تعبيرا مباشرا عن هذا الوعي . والنموذج الذي يطرحه المنهج كله نموذج بالغ السيمترية٬ عاجز عن التوفيق بين الصراعات الجدلية والتعقيدات٬ وبين التفاوت والانقطاع٬ أي بين كل ما يميز علاقة الأدب بالمجتمع. ولذلك ينحدر المنهج – في كتاب جولدمان المتأخر «نحو علم اجتماع الرواية»(1964)- فيتحول إلى مجرد صياغة آلية لعلاقة البنية الفوقية بالبنية التحتية في الرواية .


من كتاب «الماركسية والنقد الأدبي» لتيرى إيجلتون ٬ ترجمة وتقديم د. جابر عصفور٬ دار قرطبة للطباعة والنشر٬ الدار البيضاء ٬الطبعة الثانية 1986 . ص 37-40 .

الأحد، 1 أبريل 2012

البنيويــة

التعريف :

= البنيوية: منهج(*) فكري وأداة للتحليل، تقوم على فكرة الكلية أو المجموع المنتظم. اهتمت بجميع نواحي المعرفة الإنسانية، وإن كانت قد اشتهرت في مجال علم اللغة والنقد الأدبي، ويمكن تصنيفها ضمن مناهج النقد المادي الملحدة.

- اشتق لفظ البنيوية من البنية إذ تقول: كل ظاهرة، إنسانية كانت أم أدبية، تشكل بنية، ولدراسة هذه البنية يجب علينا أن نحللها (أو نفككها) إلى عناصرها المؤلفة منها، بدون أن ننظر إلى أية عوامل خارجية عنها.

التأسيس وأبرز الشخصيات:

= كانت البنيوية في أول ظهورها تهتم بجميع نواحي المعرفة الإنسانية ثم تبلورت في ميدان البحث اللغوي والنقد الأدبي وتعتبر الأسماء الآتية هم مؤسسو البنيوية في الحقول المذكورة:

- ففي مجال اللغة برز فريدنان دي سوسير الذي يعد الرائد الأول للبنيوية اللغوية الذي قال ببنيوية النظام اللغوي المتزامن، حيث أن سياق اللغة لا يقتصر على التطورية Diachronie، أن تاريخ الكلمة مثلاً لا يعرض معناها الحالي، ويمكن في وجود أصل النظام أو البنية، بالإضافة إلي وجود التاريخ، ومجموعة المعاني التي تؤلف نظاماً يرتكز على قاعدة من التمييزات والمقابلات، إذ إن هذه المعاني تتعلق ببعضها، كما تؤلف نظاماً متزامناً حيث أن هذه العلاقات مترابطة.

- وفي مجال علم الاجتماع برز كلا من: كلود ليفي شتراوس ولوي التوسير الذين قالا: إن جميع الأبحاث المتعلقة بالمجتمع، مهما اختلفت، تؤدي إلى بنيويات؛ وذلك أن المجموعات الاجتماعية تفرض نفسها من حيث أنها مجموع وهي منضبطة ذاتياً، وذلك للضوابط المفروضة من قبل الجماعة.

- وفي مجال علم النفس برز كل من ميشال فوكو وجاك لا كان اللذين وقفا ضد الاتجاه الفردي Test is Contest في مجال الإحساس والإدراك وإن كانت نظرية الصيغة (أو الجشتلت) التي ولدت سنة 1912م تعد الشكل المعبر للبنيوية النفسية.

الأفكار والمعتقدات :

إن دراسة أي ظاهرة أو تحليلها من الوجهة البنيوية. يعني أن يباشر الدارس أو المحلل وضعها بحيثياتها وتفاصيلها وعناصرها بشكل موضوعي، من غير تدخل فكره أو عقيدته الخاصة في هذا، أو تدخل عوامل خارجية (مثل حياة الكاتب، أو التاريخ) في بنيان النص. وكما يقول البنيويون: "نقطة الارتكاز هي الوثيقة لا الجوانب ولا الإطار Test is Contest وأيضاً: "البنية تكتفي بذاتها. ولا يتطلب إدراكها اللجوء إلى أي من العناصر الغريبة عن طبيعتها".

وكل ظاهرة – تبعاً للنظرية البنيوية – يمكن أن تشكل بنية بحد ذاتها؛ فالأحرف الصوتية بنية، والضمائر بنية، واستعمال الأفعال بنية.. وهكذا.

= تتلاقى المواقف البنيوية عند مبادىء عامة مشتركة لدى المفكرين الغربيين، وفي شتى التطبيقات العملية التي قاموا بها، وهي تكاد تندرج في المحصلات التالية:

- السعي لحل معضلة التنوع والتشتت بالتوصل إلى ثوابت في كل مؤسسة بشرية.

- القول بأن فكرة الكلية أو المجموع المنتظم هي أساس البنيوية، والمردُّ التي تؤول إليه في نتيجتها الأخيرة.

- لئن سارت البنيوية في خط متصاعد منذ نشوئها، وبذل العلماء جهداً كبيراً لاعتمادها أسلوباً في قضايا اللغة، والعلوم الإنسانية والفنون، فإنهم ما اطمأنوا إلى أنهم توصلوا، من خلالها، إلى المنهج الصحيح المؤدي إلى حقائق ثابتة.

= في مجال النقد الأدبي، فإن النقد البنيوي له اتجاه خاص في دراسة الأثر الأدبي يتخلص: في أن الانفعال والأحكام الوجدانية عاجزة تماماً عن تحقيق ما تنجزه دراسة العناصر الأساسية المكونة لهذا الأثر، لذا يجب أن تفحصه في ذاته، من أجل مضمونه، وسياقه، وترابطه العضوي، فهذا أمرٌ ضروري لا بد منه لاكتشاف ما فيه من ملامح فنية مستقلة في وجودها عن كل ما يحيط بها من عوامل خارجية.

= إن البنيوية لم تلتزم حدودها، وآنست في نفسها القدرة على حل جميع المعضلات وتحليل كل الظواهر، حسب منهجها، وكان يخيل إلى البنيويين أن النص لا يحتاج إلا إلى تحليل بنيوي كي تنفتح للناقد كل أبنية معانيه المبهمة أو المتوارية خلف نقاب السطح. في حين أن التحليل البنيوي ليس إلا تحليلاً لمستوى واحد من مستويات تحليل أي بنية رمزية، نصيّة كانت أم غير نصيّة. والأسس الفكرية والعقائدية التي قامت عليها، كلها تعد علوماً مساعدة في تحليل البنية أو الظاهرة، إنسانية كانت أم مأدبية.

= لم تهتم البنيوية بالأسس العَقَديَّة والفكرية لأي ظاهرة إنسانية أو أخلاقية أو اجتماعية، ومن هنا يمكن تصنيفها مع المناهج(*) المادية (*) الإلحادية(*)، مثل مناهج الوضعية في البحث، وإن كانت هي بذاتها ليست عقيدة وإنما منهج وطريقة في البحث.

الجذور الفكرية والعقائدية:

تعد الفلسفة(*) الوضعية لدى كونت، التي لا تؤمن إلا بالظواهر الحسية – التي تقوم على الوقائع التجريبية – الأساس الفكري والعقدي عند البنيوية.

فهي تؤمن بالظاهرة – كبنية – منعزلة عن أسبابها وعللها، وعما يحيط بها.. وتسعى لتحليلها وتفكيكها إلى عناصرها الأولية، وذلك لفهمها وإدراكها.. ومن هنا كانت أحكامها شكلية كما يقول منتقدوها، ولذا فإن البنيوية تقوم على فلسفة غير مقبولة من وجهة نظر تصورنا الفكري والعقدي.

أماكن الانتشار:

البنيوية منهج مستورد من الغرب، وتعد أوروبا وأمريكا أماكن انتشارها، وأرضها الأصلية. وهي تنتشر ببطء في باقي بلاد العالم، ومنها البلاد العربية.

يتضح مما سبق:

أن البنيوية منهج فكري نقدي مادي ملحد غامض، يذهب إلى أن كل ظاهرة إنسانية كانت أم أدبية تشكل بنية، لا يمكن دراستها إلا بعد تحليلها إلى عناصرها المؤلفة منها، ويتم ذلك دون تدخل فكر المحلل أو عقيدته الخاصة ونقطة الارتكاز في هذا المنهج(*) هي الوثيقة، فالبنية، لا الإطار، هي محل الدراسة، والبنية تكفي بذاتها ولا يتطلب إدراكها اللجوء إلى أي عنصر من العناصر الغريبة عنها، وفي مجال النقد الأدبي، فإن الانفعال أو الأحكام الوجدانية عاجزة عن تحقيق ما تنجزه دراسة العناصر الأساسية المكونة لهذا الأثر، ولذا يجب فحصه في ذاته من أجل مضمونه وسياقه وترابطه العضوي، والبنيوية، بهذه المثابة، تجد أساسها في الفلسفة الوضعية لدى كونت، وهي فلسفة لا تؤمن إلا بالظواهر الحسية، ومن هنا كانت خطورتها.

الموصوع على شكل ملف pdf